بقلم هلا يوسف
تبدو سوريا اليوم أمام لحظة مختلفة تحمل ملامح انفتاح تدريجي على الخارج بعد سنوات طويلة من التحديات الاقتصادية وتراجع الحركة الاستثمارية. هذا الانفتاح لا يظهر فقط في الخطابات أو اللقاءات الرسمية، بل في عودة الحديث عن مشاريع واستثمارات وشركات بدأت تقترب من السوق السورية من جديد. وقد جاءت زيارة وفد أعمال إماراتي إلى دمشق في 16 أيار 2026 تطبيقاً لهذه التوجهات. فقد فتحت هذه الزيارة ملفاً اقتصادياً جديداً من خلال إعلان افتتاح مكتب لشركة “نون” للتجارة الإلكترونية، بالتوازي مع طرح أفكار لمشاريع استثمارية كبيرة قد تمتد آثارها إلى قطاعات متعددة داخل البلاد.
افتتاح “نون” في دمشق وبداية حضورها المباشر
فقد أعلن رجل الأعمال الإماراتي محمد العبار، مؤسس منصة نون، عن افتتاح أول مكتب رسمي للشركة في العاصمة السورية دمشق في 16 أيار 2026، وذلك خلال زيارة وفد أعمال إماراتي ضم ممثلين عن عدد من الشركات الكبرى. وجاء هذا الإعلان بعد اجتماعات مع مسؤولين سوريين من بينهم رئيس هيئة الاستثمار السورية طلال الهلالي، حيث جرى الحديث عن فرص الاستثمار المتاحة في البلاد وإمكانية دخول شركات جديدة إلى السوق.
وأوضح العبار أن قرار افتتاح المكتب جاء نتيجة ما وصفه بالكفاءة العالية التي لاحظها في الكوادر السورية العاملة في مجالات التكنولوجيا والخدمات الرقمية، مشيراً إلى أن هذه الكفاءات قادرة على تقديم حلول تنافس على مستوى عالمي. كما تحدث عن أهمية تشجيع الشركات الإقليمية والدولية على التوجه إلى السوق السورية وفتح مكاتب لها، معتبراً أن المرحلة الحالية تحمل فرصًا اقتصادية واعدة نتيجة توفر الطاقات البشرية الشابة والخبرات التقنية.
منصة “نون” وتوسعها في المنطقة
تعود منصة “نون” إلى عام 2017 حين تم إطلاقها في الإمارات العربية المتحدة بدعم من استثمارات قدرت بنحو مليار دولار، جاءت من صندوق الاستثمارات العامة السعودي إلى جانب مستثمرين خليجيين آخرين. وقد تم تأسيسها بهدف إنشاء منصة عربية قادرة على المنافسة في مجال التجارة الإلكترونية أمام الشركات العالمية الكبرى، مع التركيز على السوق الإقليمية في الشرق الأوسط.
وخلال سنوات عملها توسعت “نون” لتشمل خدمات متعددة تتجاوز البيع الإلكتروني التقليدي، إذ دخلت في مجالات التوصيل السريع وخدمة “نون فود” لتوصيل الطعام، إضافة إلى خدمات الدفع الإلكتروني والحلول اللوجستية. وقد أصبحت تعمل بشكل أساسي في الإمارات والسعودية ومصر، حيث نجحت في ترسيخ حضورها كواحدة من أبرز المنصات الرقمية في المنطقة.
مشاريع استثمارية كبيرة قيد الدراسة
بالتزامن مع إعلان افتتاح مكتب “نون”، برزت تقارير تتحدث عن خطط استثمارية أوسع تتعلق بشركة إيجل هيلز التي يرأسها أيضاً محمد العبار، حيث يجري الحديث عن مشروعين عمرانيين كبيرين في سوريا تصل كلفتهما الإجمالية إلى أكثر من 50 مليار دولار.
وبحسب هذه المعلومات، يقع المشروع الأول في منطقة دمر بدمشق على مساحة واسعة تقدر بحوالي 33 مليون متر مربع، ويشمل بناء وحدات سكنية وفنادق ومراكز تجارية، إلى جانب مساحات خضراء ومرافق عامة تهدف إلى إنشاء منطقة عمرانية متكاملة. أما المشروع الثاني فيقع في مدينة اللاذقية على مساحة تقارب 15 مليون متر مربع، ويتضمن تطوير منطقة سكنية وسياحية متكاملة تضم مرافق خدمية وترفيهية وبنية تحتية حديثة.
وقد جاءت هذه الطروحات خلال زيارة الوفد الإماراتي إلى دمشق، حيث رحب رئيس هيئة الاستثمار السورية طلال الهلالي بالوفد، مؤكدًا أن الزيارة تأتي ضمن إطار المنتدى السوري الإماراتي الأول للاستثمار، والذي يهدف إلى بحث فرص التعاون وتوسيع مجالات الشراكة الاقتصادية بين الجانبين.
والجدير بالذكر أن هذه التطورات تأتي بعد سلسلة لقاءات أجراها الرئيس أحمد الشرع في 4 أيار 2026 مع عدد من رجال الأعمال العرب والأجانب، من بينهم التركي فتاح تامنجي، والإماراتي محمد الشيباني، والمصري حسن علام، حيث جرى خلالها بحث فرص الاستثمار المتاحة في سوريا، خصوصًا في قطاعي العقارات والسياحة.
وقد ركزت هذه اللقاءات على جذب استثمارات خارجية يمكن أن تسهم في إعادة تنشيط الاقتصاد السوري وفتح مجالات جديدة للتنمية، في وقت تتزايد فيه التحركات الإقليمية نحو استكشاف السوق السورية وإمكانياتها.
في النهاية، بين خطوات الشركات الأولى نحو السوق السورية، وحديث المشاريع الكبرى التي ما تزال قيد الدراسة، تبدو الصورة العامة وكأنها بداية طريق جديد لم يكتمل بعد. فعودة الاهتمام الاستثماري إلى سوريا يحمل معه الكثير من الأمل، لكنه في الوقت نفسه يبقى مرهوناً بما ستسفر عنه المرحلة القادمة من قرارات وتنفيذ فعلي على الأرض.
اقرأ أيضاً: كاريكاتير: الاستثمارات المرجوة vs البنية التحتية!