الكاتب: أحمد علي
لا يبدأ معنى القرار الاقتصادي من عبارته القانونية وحدها. يبدأ من المكان الذي يصدر فيه، ومن السوق الذي يتلقاه، ومن الذاكرة التي يحملها التجار والمستهلكون والإدارة معاً. لذلك لا يمكن قراءة إعفاء المخالفات الجمركية بمعزل عن إعادة تشكيل اللجنة الوطنية للاستيراد والتصدير. الأول يلمس ملفات قديمة، تراكمت في ظل اضطراب طويل في حركة البضائع والحدود. والثاني يعيد ترتيب الجهة التي تملك حق السماح والمنع في الاستيراد والتصدير. بين الخطوتين مساحة رمادية. قد تكون بداية لضبط جديد، وقد تبدو لدى بعض المتابعين تسوية مع سوق سبق أن تمدد خارج القواعد.
المخالفات الجمركية وتسوية الماضي
صدر المرسوم رقم 117 لعام 2026 ليعفي المخالفات الجمركية المنصوص عليها في المواد من 253 حتى 278 من قانون الجمارك رقم 38 لعام 2006 من الغرامات، وفق شروط محددة. وفي إحدى الحالات يلتزم المخالف بعقد التسوية عبر دفع الرسوم الجمركية والرسوم والضرائب الأخرى فقط. أما في حالة البضائع الناجية من الحجز، فيذهب الإعفاء إلى مدى أوسع، إذ يشمل الرسوم والضرائب والغرامات معاً، ضمن الحدود التي رسمها المرسوم.
وضعت الصيغة المنشورة للقرار حداً زمنياً لا يمكن تجاهله. الاستفادة تنحصر بالمخالفات المرتكبة قبل 8 كانون الأول 2024، والتسوية يجب أن تتم خلال ستة أشهر من تاريخ نفاذ المرسوم، مع استثناءات واضحة تشمل قضايا المخدرات وما في حكمها، والمخالفات التي صدرت بها أحكام قضائية قطعية، وتلك التي جرت تسويتها قبل صدور المرسوم. هذه القيود تمنع تحويل الإعفاء إلى عفو مفتوح على الورق. لكنها لا تكفي وحدها لصنع الثقة.
الجمارك ليست صندوقاً لتحصيل المال فقط. هي خط دفاع اقتصادي. وظيفتها أن توازن بين حاجة الخزينة إلى الإيراد، وحاجة السوق إلى منافسة عادلة، وحاجة المنتج المحلي إلى حماية لا تتحول إلى عزلة. لذلك فإن الإعفاء من الغرامات يحمل فائدتين محتملتين. يمكن أن يفتح باب التحصيل في ملفات يصعب إغلاقها عبر نزاع طويل، ويمكن أن يعيد جزءاً من الحركة التجارية إلى المسار الرسمي. لكنه يحمل في الوقت نفسه خطراً واضحاً إذا فهمه السوق كرسالة مفادها أن المخالفة قابلة دائماً للتسوية لاحقاً.
هنا تتغير المسألة من نص قانوني إلى سلوك اقتصادي. فإذا جاء الإعفاء بوصفه فرصة أخيرة لإقفال مرحلة سابقة، ثم تبعه ضبط صارم وشفاف، صار جزءاً من إصلاح عملي. أما إذا بقي منفصلاً عن رقابة لاحقة، أو تكرر كلما تراكمت الملفات، فسيبدو أقرب إلى تسوية مؤقتة مع الأمر الواقع. الفرق بين الحالتين لا تصنعه الصياغة، بل التنفيذ.
وليست هذه التجربة بلا ذاكرة سورية. فقد صدر عام 2015 قانون أعفى مخالفات جمركية من الغرامات ضمن مدة محددة، مع نسب مخفضة وصلت في بعض الحالات إلى 40 بالمئة من قيمة البضاعة، وفي حالات أخرى إلى 10 بالمئة من الغرامة، بسقف لا يتجاوز 100 ألف ليرة سورية. لكن المقارنة لا تستقيم بالأرقام وحدها. سياق 2026 مختلف. الإدارة الاقتصادية تتشكل من جديد، والحدود تحتاج إلى نظام أوضح، والسوق نفسه يبحث عن قاعدة مستقرة لا تتبدل مع كل أزمة.
لجنة الاستيراد والتصدير وسياسة الباب الواحد
على الخط الموازي جاء قرار إعادة تشكيل اللجنة الوطنية للاستيراد والتصدير. أهمية هذه الخطوة لا تكمن في تبديل أسماء الأعضاء فقط، بل في رفع مستوى الملف إلى دائرة قرار أوسع. فدخول وزراء الاقتصاد والصناعة والمالية والصحة والزراعة، إلى جانب مسؤولين في الجمارك والإدارة المحلية، يعني أن الاستيراد والتصدير لم يعودا ملفاً فنياً ضيقاً. إنهما أداة من أدوات إدارة السوق.
المرسوم رقم 263 لعام 2025 كان قد حدد موقع اللجنة بوصفها الجهة المسؤولة عن إقرار السماح والمنع للسلع بالاستيراد والتصدير، وعن إدراج المواد أو رفعها من القائمة السلبية، وعن إصدار القرارات التفسيرية المتعلقة بالسياسة الاقتصادية في هذا المجال. هذه صلاحيات ثقيلة. فهي تمس سعر السلعة، ومصلحة المستورد، وموسم المزارع، وحساب الصناعي، وقدرة المستهلك على الشراء.
ظهرت آثار هذا الدور في قرارات تنظيم الاستيراد خلال عام 2026. ففي قرار منشور في 27 نيسان 2026 منعت اللجنة استيراد بيض الطعام والفروج الطازج والمجمد وأجزائهما، كما منعت استيراد البطاطا والبصل والثوم والكوسا والخيار والقثاء بين 1 أيار و31 تشرين الأول 2026. وشمل المنع البندورة والباذنجان والفليفلة الخضراء والبطيخ الأحمر والأصفر من 1 حزيران حتى 31 تشرين الأول، والمشمش والخوخ والكرز والدراق بين 1 حزيران و31 آب، ثم الفليفلة الحمراء والتين والعنب والتفاح والأجاص من 1 آب حتى 31 تشرين الأول، والرمان بين 1 أيلول و31 كانون الأول.
هذه الروزنامة تقدم مثالاً واضحاً على حساسية القرار. حماية المنتج المحلي ليست شعاراً زائداً. المزارع يحتاج إلى موسم لا ينهار عند ذروة الإنتاج بسبب دخول سلعة منافسة. لكن المستهلك يحتاج أيضاً إلى سوق لا يتحول فيها المنع إلى ندرة وارتفاع سعر. لذلك لا يكفي أن تكون نية القرار حماية الإنتاج. المهم أن تكون أدواته دقيقة، وأن تكون بيانات العرض والطلب والأسعار متاحة بالقدر الذي يسمح بتقييم أثر القرار قبل صدوره وبعده.
الامتحان الحقيقي بعد الإعفاء
لهذا تبدو العلاقة بين إعفاء المخالفات الجمركية وإعادة تشكيل لجنة الاستيراد والتصدير أعمق من المصادفة الزمنية. الإعفاء يعالج الماضي، أو يحاول ذلك. اللجنة ترسم قواعد المستقبل، أو يفترض أن تفعل. فإذا جرى إغلاق الملفات القديمة بالتوازي مع سياسة استيراد مفهومة ومستقرة، أمكن الحديث عن خطوة إصلاحية. وإذا بقيت التسوية أكبر من القاعدة، وأسرع من الرقابة، فسيكون السؤال مشروعاً عن حدود المصالحة مع السوق كما هو.
ليست المشكلة في التسوية بحد ذاتها. الدول تلجأ إليها حين تكون كلفة النزاع أعلى من عائد التحصيل، أو حين تريد إعادة النشاط إلى المسار الرسمي. المشكلة تظهر عندما لا يعرف الملتزم لماذا التزم، ولا يعرف المخالف لماذا لا يكرر المخالفة. عندها تفقد القاعدة معناها، ويصبح الاستثناء طريقة عمل.
القراران يفتحان نافذة اختبار لا أكثر. نجاحهما يحتاج إلى تعليمات تنفيذية واضحة، وإعلان دوري لنتائج التسويات، وتوحيد المعايير بين المنافذ، وربط سياسات المنع والسماح ببيانات السوق لا بانطباعات عابرة. الإصلاح الاقتصادي لا يثبت نفسه لأنه قيل في مرسوم. يثبت نفسه حين يشعر التاجر الملتزم أن التزامه ليس خسارة، وحين يرى المستهلك أن ضبط السوق لا يعني إغلاقه، وحين تصبح المخالفة القديمة آخر الطريق لا بدايته.
اقرأ أيضاً: بين الاستيراد والدعم المحلي: أين تتجه صناعة الألبسة في حلب؟