رؤية أمريكية عبر معرض “NASTEX” تفتح باباً جديداً لإحياء النسيج السوري

رؤية أمريكية عبر معرض “NASTEX” تفتح باباً جديداً لإحياء النسيج السوري

بقلم هلا يوسف

في كل مرة يذكر فيها اسم “النسيج السوري”، لا يكون الحديث فقط عن صناعة أو منتجات يتم تصديرها إلى الخارج، بل عن تاريخ طويل من العمل والحرفة والقرى التي عاشت على القطن والحرير والصوف. هذه الصناعة كانت يوماً ما جزءاً من حياة الناس اليومية، من الحقول التي تزرع فيها الألياف إلى الورش الصغيرة التي كانت تملأ المدن بالحركة والعمل. واليوم ومع انفتاح سوريا على الاستثمارات عقب انتهاء سنوات الحرب، عاد هذا القطاع إلى الواجهة من جديد، ليس بوصفه ذكرى من الماضي، بل كفرصة اقتصادية يمكن التفكير فيها من جديد. ومن واشنطن، جاءت منصة ومعرض “NASTEX” لتضع هذا القطاع في دائرة الاهتمام، من خلال طرح رؤية استثمارية تحاول أن تربط بين الماضي الصناعي لسوريا وبين مستقبل يمكن أن يُبنى على أسس جديدة.

هذه الرؤية التي تم طرحها خلال ندوة نظمها مجلس الأعمال الأمريكي–السوري “USSBC”، لا تنظر إلى النسيج السوري كقطاع متوقف، بل كقصة يمكن أن تُستكمل من جديد إذا توفرت الأدوات المناسبة، من استثمار وتنظيم وبنية إنتاج قادرة على العمل والاستمرار.

واقع صناعة النسيج السوري وفرص إعادة الإحياء

تحدثت رئيسة قسم العلاقات العامة في “NASTEX” نور يونس، عن وضع قطاع النسيج في سوريا قبل عام 2011، موضحة أنه كان قطاعاً أساسياً في الاقتصاد الوطني، ويعتمد بشكل كبير على القطن السوري الذي كان يدخل في مختلف مراحل الإنتاج من الغزل وحتى صناعة الأقمشة الجاهزة. لكن هذا القطاع تعرض خلال السنوات اللاحقة لتراجع كبير نتيجة الحرب، حيث تضررت البنية الصناعية بشكل واسع، وتراجع إنتاج القطن، وارتفعت تكاليف الطاقة والنقل، وهو ما جعل المنتجات السورية أقل قدرة على المنافسة في الأسواق الخارجية مقارنة بالمنتجات القادمة من تركيا والصين.

وعلى الرغم من هذا التراجع، تشير الرؤية الاقتصادية المطروحة إلى أن الصناعة السورية ما تزال تمتلك نقاط قوة مهمة، أبرزها السمعة الجيدة من حيث الجودة، لكن هذا وحده لا يكفي لإعادة القطاع إلى وضعه السابق. فعملية الإحياء تحتاج إلى بيئة إنتاج مستقرة تقوم على توفر الكهرباء بشكل منتظم، وإعادة تأهيل المصانع، وتوفير التمويل اللازم لتحديث المعدات، بالإضافة إلى تأمين المواد الأولية بأسعار مناسبة تسمح للصناعة بالعمل بكفاءة أكبر. كما أن تنظيم السوق وتسهيل حركة الإنتاج والتصدير يعتبران جزءاً أساسياً من أي عملية نهوض حقيقية.

وهنا يطرح القطن السوري باعتباره المدخل الرئيسي لإعادة بناء صناعة النسيج. فهذه المادة المعروفة باسم “الذهب الأبيض” تمتاز بجودة أليافها من حيث الطول والمتانة والنعومة، وهي خصائص تجعلها مناسبة لإنتاج خيوط وأقمشة عالية الجودة يمكن أن تنافس في الأسواق العالمية. وتشير التقديرات الواردة في الرؤية إلى أن المساحات المزروعة بالقطن تصل إلى نحو 49,246 هكتار، مع وجود إمكانية للتوسع في أكثر من 23,400 هكتار إضافي، بينما تبلغ الإنتاجية نحو 2777 كغ لكل هكتار، مما يضع قيمة اقتصادية أولية تقارب 32 مليون دولار، وهو ما يعكس وجود قاعدة زراعية يمكن البناء عليها في حال إعادة تنظيمها وتطويرها.

الموارد التقليدية والبنية الصناعية وفرص الاستثمار

لا يقتصر قطاع النسيج السوري على القطن فقط، بل يمتد ليشمل موارد تقليدية أخرى ما تزال تحمل قيمة اقتصادية وثقافية، لكنها بحاجة إلى تطوير وربط بالسوق العالمية. ففي قطاع الحرير، ما تزال زراعة التوت موجودة في عدد من المناطق، إلى جانب استمرار بعض الحرف التقليدية المرتبطة بإنتاج الحرير. وتشير البيانات إلى وجود نحو 523 هكتار من أشجار التوت، وما يقارب 147 ألف شجرة، مع إنتاج يصل إلى 3473 طن، يمكن تطوير نسبة كبيرة منه إذا تم تنظيم عمليات الإنتاج وربطها بصناعة حديثة تستهدف أسواق المنتجات الفاخرة التي ما تزال تعطي قيمة عالية للحرير السوري.

أما الصوف السوري، فيعتمد على قاعدة حيوانية واسعة تضم نحو 20.3 مليون رأس من الأغنام، بإنتاج يصل إلى حوالي 23,142 طن من الصوف. وتوضح الرؤية أن هذه المادة تمتلك فرصة حقيقية للتطوير الصناعي، خاصة في مجالات السجاد والمنسوجات والألبسة الشتوية، مع وجود طلب مستمر في أسواق الخليج على المنتجات التقليدية مثل العباءات والشماغات، وهو ما يمنح هذا القطاع قدرة على بناء سوق تصدير مستقر إذا تم تحسين سلاسل الإنتاج والتصنيع.

وفي جانب آخر، تبرز صناعة الألبسة كأحد أكثر القطاعات قدرة على النمو السريع، بسبب وجود عمالة ماهرة وتكاليف إنتاج منخفضة مقارنة بدول الجوار. وتقوم الفكرة على تحويل سوريا إلى مركز إقليمي لصناعة الملابس الجاهزة الموجهة للتصدير، عبر الاستفادة من البنية الصناعية الموجودة وإعادة تشغيلها ضمن منظومة إنتاج حديثة قادرة على المنافسة في الأسواق الخارجية.

وترتبط هذه الرؤية بشكل مباشر بالمدن الصناعية التي تعد أساساً لأي عملية تطوير صناعي، إذ توفر هذه المدن بيئة متكاملة تجمع بين الطاقة والخدمات وسلاسل التوريد في مكان واحد. وتشمل هذه المناطق الصناعية الشيخ نجار في حلب، وعدرا في ريف دمشق، وحسياء في حمص، بالإضافة إلى الراعي في حلب ودير الزور، وهي مواقع يمكن أن تتحول إلى مراكز إنتاج فعالة إذا ما تم تأهيلها وضخ الاستثمارات فيها بالشكل المناسب.

واستناداً على المعلومات السابقة، تم طرح مجموعة من المشاريع الاستثمارية التي تقدر قيمتها الإجمالية بنحو 785 مليون دولار، وتشمل مشاريع مرتبطة بالصوف وصناعة الأثاث والصناعة الذكية، حيث تم اقتراح مشروع للصوف بقيمة 35 مليون دولار، ومشروع للأثاث بقيمة 50 مليون دولار، إضافة إلى مشروع أكبر للصناعة الذكية تصل قيمته إلى نحو 700 مليون دولار، مع إمكانية التوسع لاحقًا وفق حجم الاستثمار.

كما أشارت منصة “Growfast” إلى أن تطوير هذه المشاريع يعتمد على الاستفادة من الموقع الجغرافي لسوريا الذي يربط بين أوروبا وآسيا والخليج، بالإضافة إلى توفر مصادر الطاقة المتجددة وإمكانية تخفيض تكاليف التشغيل بنسبة تقارب 40%. وترى المنصة أن هذه العوامل يمكن أن تشكل قاعدة مهمة لجذب الاستثمارات إذا توفرت بيئة تنظيمية مستقرة.

وفي النهاية، الرؤية التي تم طرحها في واشنطن لا تقدم وعوداً جاهزة بقدر ما تفتح باباً للتفكير في إمكانية إعادة بناء قطاع النسيج من جديد، خطوة خطوة، بدءاً من الأرض التي تزرع فيها المواد الأولية، مروراً بالمصانع، وصولاً إلى المنتج الذي يمكن أن يصل إلى الأسواق الخارجية. وبين هذه المراحل كلها، يبقى العامل الأهم هو القدرة على تنظيم الجهود وتوفير بيئة مستقرة تسمح للصناعة بالعودة إلى العمل بشكل طبيعي.

اقرأ أيضاً: دليل السفارة الأميركية للمستثمرين.. خطوة جديدة نحو إعادة إعمار سوريا

المدير العام

بقلم: المدير العام

كاتب ومحرر في سوريا نيوز. تغطية شاملة للأحداث لحظة بلحظة.