بقلم هلا يوسف
في وقت أصبحت فيه الحياة اليومية أكثر صعوبة على كثير من العائلات السورية، لم تعد المساعدة تقتصر على تقديم المال أو المواد الأساسية فقط، بل ظهرت أفكار جديدة تحاول أن تمنح الإنسان شعوراً بالكرامة قبل أي شيء آخر. ومن بين هذه الأفكار برزت مبادرة “فريق إرادة” التطوعي في مدينة معضمية الشام بريف دمشق، والتي أطلقها مدير الفريق الدكتور مهند الخطيب، بهدف جمع الملابس المستعملة وإعادة تقديمها للأسر المحتاجة بطريقة تحفظ خصوصيتهم وتخفف عنهم شعور الحرج.
لم تعتمد المبادرة على مفهوم المساعدة التقليدية، بل حاولت تحويل التبرع إلى حالة من التعاون المجتمعي الطبيعي، حيث يشارك الجميع في دعم بعضهم البعض ضمن بيئة تشبه المتاجر العادية، تسمح للمستفيد بأن يختار ما يناسبه بحرية واحترام. ومع اتساع الأزمة الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة، أصبحت مثل هذه المبادرات نموذجاً مهماً يعكس قدرة المجتمع السوري على إيجاد حلول إنسانية بسيطة نابعة من داخله، تقوم على التكافل والاستدامة والشعور بالمسؤولية تجاه الآخرين.
التكافل الاجتماعي بأسلوب جديد
اعتمد فريق المبادرة على وضع صناديق لجمع الملابس المستعملة بهدف إيصالها إلى العائلات المحتاجة بطريقة تحفظ الخصوصية والكرامة. وتأتي هذه الفكرة نتيجة اتساع الأزمة الاقتصادية ووصول تأثيرها إلى فئات كانت تعيش سابقاً ضمن مستوى معيشي جيد.
ويرى خبير اجتماعي أن هذه المبادرات تعكس تغيراً مهماً في طريقة التفكير داخل المجتمع السوري، حيث لم يعد العمل الخيري يعتمد فقط على تقديم المساعدات المباشرة، بل أصبح قائماً على المشاركة والتعاون بين أفراد المجتمع.
ويهدف المشروع إلى تجهيز نحو 1000 صندوق و175 متجراً مجتمعياً، بحيث تتحول عملية التبرع وإعادة الاستخدام إلى عادة يومية طبيعية. كما تعتمد المبادرة على فكرة أن الشخص القادر يمكنه دعم غير القادر بطريقة تحفظ احترام الجميع.
الأثر النفسي والاجتماعي للمبادرة
حرص القائمون على المبادرة على تغيير الصورة التقليدية المرتبطة بالمساعدات الإنسانية، لذلك تم استخدام مفهوم “المتجر المجتمعي” بدلاً من “مستودع الإغاثة”. ويحصل المستفيد على قسائم تشبه بطاقات التسوق، ما يجعله يشعر بأنه داخل متجر عادي وليس مكاناً لتلقي المساعدات.
كما يتم ترتيب الملابس داخل المتاجر بطريقة منظمة، حيث تُغسل وتُكوى ثم تُصنف حسب المقاسات والأعمار والألوان، مع تخصيص أقسام للرجال والنساء والأطفال. ويساعد هذا التنظيم المستفيد على اختيار ما يناسبه بحرية، الأمر الذي يعزز ثقته بنفسه ويخفف شعوره بالحرج.
ويؤكد باحث اجتماعي أن هذه الطريقة تساهم في تقليل الوصمة المرتبطة بالفقر، لأنها تقدم المساعدة بشكل إنساني يحفظ كرامة الفرد. كما أن السماح للأطفال باختيار ملابسهم بحرية يمنحهم شعوراً بالراحة والأمان النفسي.
نشر ثقافة الاستدامة والتعاون
ساهمت المبادرة أيضاً في تغيير نظرة المجتمع تجاه الملابس المستعملة، حيث أصبحت تُعامل كمواد يمكن الاستفادة منها من جديد بدلاً من اعتبارها رمزاً للحاجة أو الفقر. ويرى مختصون في الشأن الاقتصادي أن هذه المبادرات تدعم مفهوم الاستدامة والاقتصاد الدائري، لأنها تساعد على إعادة استخدام الموارد وتقليل الاستهلاك الزائد.
ولم تقتصر المشاركة في المبادرة على العائلات المحتاجة فقط، بل شاركت عائلات ميسورة وشباب من مختلف الفئات الاجتماعية في التبرع بالملابس، حتى الفاخرة منها، بدافع الوعي الاجتماعي والإنساني.
والجدير بالذكر أن هذه المبادرات تلعب دوراً مهماً في تعزيز التماسك الاجتماعي، لأنها تشجع الناس على التعاون ومساعدة بعضهم البعض، وتخفف من الآثار النفسية والاجتماعية الناتجة عن الظروف الاقتصادية الصعبة.
في النهاية، المبادرات المجتمعية مثل “فريق إرادة” أثبتت أن أبسط الأفكار يمكن أن تترك أثراً كبيراً عندما تقوم على الاحترام والإنسانية والشعور بالمسؤولية تجاه الآخرين. ومع تزايد الضغوط المعيشية، تصبح مثل هذه المبادرات حاجة حقيقية تساعد الأسر على تجاوز جزء من معاناتها، وفي الوقت نفسه تنشر ثقافة المشاركة والاستفادة من الموارد بطريقة أفضل. وربما يكون أهم ما تقدمه هذه التجارب أنها تعيد للناس شعورهم بأن الخير ما زال موجوداً، وأن التكافل بين أفراد المجتمع يمكنه أن يصنع فرقاً حقيقياً مهما كانت الظروف قاسية.
اقرأ أيضاً: المبادرات المجتمعية في سوريا: كيف يعيد السوريون بناء مجتمعهم من القاعدة