الكاتب: أحمد علي
تتحرك السياسة أحياناً من أضيق الأبواب، وتصريح واحد لا يصنع اتفاقاً بطبيعة الحال، لكنه قد يكشف أن الأطراف التي اعتادت التخاطب عبر النار بدأت تختبر لغة أخرى. لذلك تثير تصريحات قائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي عن وساطة الرئيس أحمد الشرع بين قسد وتركيا سؤالاً أكبر من حدود الخبر نفسه. هل نحن أمام بداية تقارب حقيقي، أم أمام مناورة سياسية فرضتها تغيرات ما بعد سقوط السلطة السابقة في سوريا؟
تقارب قسد وتركيا بين الاختبار والحذر
لا يمكن قراءة كلام عبدي بمعزل عن التحول السوري الأوسع. قسد لم تعد تتعامل مع دمشق القديمة، وتركيا لم تعد تتعامل مع السلطة في سوريا باعتبارها خصم. هناك سلطة جديدة في دمشق، وهناك محاولة لإعادة بناء الدولة كما يجري الإعلان، وهناك ضغط واضح لإخراج السلاح غير المنضبط من المعادلة، أو إدخاله ضمن مؤسسات الدولة، رغم أن ذلك لم يصبح واقعاً حتى اللحظة.
في هذا السياق، يصبح كلام عبدي عن وساطة الشرع بين قسد وتركيا مهماً. هو لا يعني أن التقارب صار قريباً بالمعنى النهائي، لكنه يعني أن قنوات الكلام لم تعد مستحيلة. وهذه نقلة في حد ذاتها.
تركيا تنظر إلى قسد من زاوية أمنية صارمة. بالنسبة لأنقرة، المشكلة ليست الإدارة المدنية في شمال شرق سوريا وحدها، بل العلاقة التي تراها بين وحدات حماية الشعب وحزب العمال الكردستاني. لذلك ظلت المطالب التركية تدور حول نزع هذا التهديد، وإبعاد البنية العسكرية الكردية عن الحدود، ووقف أي كيان مسلح مستقل يمكن أن يتحول إلى قاعدة ضغط على الداخل التركي.
قسد، من جهتها، تحاول إعادة صياغة موقعها. لم تعد تريد الظهور كقوة انفصالية، بل كطرف سوري يطالب بضمانات سياسية وإدارية وعسكرية، وباعتراف بحقوق المكونات المحلية. عبدي سبق أن أكد في مقابلات مختلفة أن قسد لا تطلب الانفصال، بل صيغة حكم لامركزي أو إدارة محلية تضمن الخصوصية. المشكلة أن هذه اللغة لا تكفي لطمأنة تركيا إذا بقي السلاح منفصلاً عن الدولة، وبقيت الحدود تحت إدارة قسد وحدها.
هنا تدخل دمشق…
دور الشرع، إذا صحّت وساطته، يقوم على فكرة بسيطة وحساسة في آن واحد. تركيا لا تريد أن تفاوض قسد كطرف ندّي يملك شرعية إقليمية مستقلة، وقسد لا تريد أن تدخل تفاوضاً مع تركيا وهي مكشوفة بلا ضمانة سورية أو دولية. دمشق يمكن أن تقدم الغطاء الوسيط. تقول لتركيا إن ملف الحدود والسلاح سيعود تدريجياً إلى الدولة، وتقول لقسد إن حقوق الكرد والمكونات المحلية لن تُسحق تحت عنوان السيادة. لكن نجاح هذا الدور يحتاج إلى ثقة لا تزال ضعيفة.
اتفاق آذار 2025 بين دمشق وقسد وضع مبدأ دمج القوات والمؤسسات ضمن الدولة السورية، لكنه ترك التفاصيل معلقة. هنا تكمن المشكلة. هل يندمج مقاتلو قسد أفراداً داخل الجيش السوري؟ أم تبقى لهم كتلة منظمة ضمن وحدات خاصة؟ من يدير الأمن الداخلي في الحسكة والقامشلي وكوباني؟ من يمسك المعابر والحقول النفطية والسجون التي تضم عناصر من تنظيم الدولة؟ ومن يضمن ألا يتحول الدمج إلى تفكيك ثم إقصاء؟ هذه الأسئلة ليست إجرائية. هي جوهر التفاوض.
بالنسبة لتركيا، أي تقارب مع قسد لن يكون مجانياً. ستطلب أن ترى تغييرات ملموسة، لا عبارات سياسية فقط. قد تبدأ من إبعاد الشخصيات المرتبطة بحزب العمال الكردستاني، وتغيير البنية القيادية، وتسليم الحدود تدريجياً لقوات سورية رسمية، وضبط السلاح الثقيل، ووقف النشاطات التي تعتبرها أنقرة تهديداً مباشراً. وقد تطلب ترتيبات أمنية بإشراف دمشق أو بمراقبة دولية غير معلنة.
بالنسبة لقسد، هذه المطالب تعني التخلي عن جزء كبير من أدوات الحماية التي بنتها خلال سنوات الحرب. لذلك ستطلب ثمناً سياسياً واضحاً. اعترافاً دستورياً بالحقوق الثقافية، تمثيلاً في مؤسسات الدولة، ضمانات للإدارة المحلية، ترتيبات خاصة للأمن الداخلي، وعدم تسليم عناصرها لخصوم محليين أو فصائل موالية لتركيا كانت تقاتلها لسنوات.
إذاً، التقارب ممكن، لكنه ليس سهلاً. الطريق إليه يمر عبر ثلاث طبقات. طبقة سورية داخلية تتعلق بدمج قسد في الدولة. وطبقة تركية أمنية تتعلق بالحدود وحزب العمال الكردستاني. وطبقة دولية تتعلق بالدور الأمريكي والأوروبي، وبملف تنظيم الدولة والمخيمات والسجون.
ما يجعل اللحظة مختلفة أن كل الأطراف لديها أسباب للتراجع عن التصعيد. تركيا لا تريد حرباً مفتوحة في شمال شرق سوريا إذا استطاعت الحصول على ضمانات أمنية عبر دمشق. السلطة السورية الجديدة تريد تثبيت سيادتها على كامل البلاد من دون استنزاف طويل. قسد تريد الحفاظ على أكبر قدر ممكن من مكاسبها السياسية بعد تراجع مساحة الدعم الدولي لها. أما واشنطن وباريس فتميلان، بحسب المعطيات الأخيرة، إلى صيغة تضمن عدم عودة تنظيم الدولة، وتخفض التوتر التركي الكردي، وتمنح دمشق مسؤولية أكبر.
لكن هناك أسباباً معاكسة أيضاً. داخل تركيا، يصعب بيع أي تقارب مع قسد للرأي العام القومي إذا لم يظهر كاستسلام أمني كامل من الطرف الكردي. داخل قسد، يصعب قبول اتفاق يُقرأ كتنازل تحت الضغط التركي. داخل دمشق، هناك من يريد دمجاً سريعاً لا يترك لقسد هامشاً خاصاً. وفي الشمال السوري، توجد فصائل مرتبطة بتركيا قد لا ترحب بتسوية تقلل دورها أو تفتح باب ترتيبات جديدة حول عفرين وتل أبيض ورأس العين.
لهذا، قد لا يبدأ التقارب باتفاق كبير. الأغلب أن يبدأ بخطوات صغيرة. تخفيف التصعيد الإعلامي. تثبيت وقف النار. تفاهمات حول نقاط تماس. ترتيبات حدودية محدودة. دور أكبر لدمشق في المعابر. اجتماعات أمنية غير مباشرة. ثم، إذا نجحت هذه الخطوات، يمكن الانتقال إلى صيغة سياسية أوسع.
المعنى السوري لمثل هذا التقارب كبير. إذا خف التوتر بين قسد وتركيا، تخف واحدة من أخطر جبهات البلاد. وهذا يفتح الباب أمام إعادة تنظيم الشمال الشرقي داخل الدولة، واستثمار الموارد النفطية والزراعية ضمن إطار وطني، وتحسين إدارة ملف مخيم الهول وسجون تنظيم الدولة، وعودة جزء من الطرق التجارية. كما يقلل من احتمالات التدخل العسكري التركي الواسع، وهي احتمالات كانت دائماً تضغط على المدنيين وعلى الاستقرار.
لكن الانعكاس ليس إيجابياً تلقائياً. أي اتفاق ينجز فوق رؤوس السكان سيولد مشكلة جديدة. مناطق شمال شرق سوريا ليست كتلة كردية واحدة. فيها عرب وكرد وسريان وآشوريون ونازحون وعشائر ومدن عاشت تجارب مختلفة مع الإدارة الذاتية وقسد وداعش والنظام السابق. إذا جرى ترتيب الملف كصفقة أمنية بين تركيا وقسد ودمشق فقط، فسيبقى المجتمع المحلي خارج المعادلة. وهذا خطر.
السؤال الحقيقي ليس فقط هل تتقارب قسد وتركيا، بل أي نوع من التقارب. إذا كان أمنياً ضيقاً، فقد يخفض النار مؤقتاً لكنه لا يحل العقدة السورية. وإذا كان جزءاً من تسوية وطنية أوسع، تدمج السلاح، وتحمي الحقوق، وتعيد مؤسسات الدولة من دون انتقام، فقد يكون خطوة مهمة نحو استقرار حقيقي.
تصريحات عبدي تفتح نافذة. لكنها لا تفتح الباب كله. النافذة تكشف أن قسد تعرف أن زمن الإدارة المنفصلة يضيق، وأن تركيا تعرف أن الضغط العسكري وحده لا يقدم حلاً دائماً، وأن دمشق تريد أن تتحول من طرف في الصراع إلى وسيط بين خصومه. هذه ثلاث إشارات مهمة.
لكن السياسة لا تُقاس بالإشارات فقط. ستُقاس بما سيحدث على الأرض. هل ستتراجع احتمالات الهجوم التركي؟ هل ستدخل قوات الدولة إلى الحدود بترتيبات مقبولة؟ هل ستبقى قسد كتلة عسكرية مستقلة أم تتحول تدريجياً إلى جزء من الجيش والأمن المحلي؟ هل ستُضمن الحقوق الكردية دستورياً؟ وهل ستشعر العشائر والمكونات الأخرى بأن الاتفاق يحميها أيضاً؟
الخلاصة أن تقارب قسد وتركيا بات أقرب مما كان قبل سنوات، لكنه لا يزال بعيداً عن اتفاق مكتمل. هو قريب كاحتمال، لا كحقيقة منجزة. ودمشق قد تكون الممر الوحيد الممكن له، لأنها تمنح تركيا عنوان السيادة، وتمنح قسد مظلة سورية لا تركية.
إذا نجح هذا المسار، قد يخف أحد أكثر ملفات سوريا توتراً، وتستعيد الدولة جزءاً مهماً من جغرافيتها ومواردها من دون حرب واسعة. وإذا فشل، سيبقى الشمال الشرقي معلقاً بين ثلاثة مخاوف، خوف تركيا من قسد، وخوف قسد من دمشق وأنقرة، وخوف السوريين من أن تتحول كل تسوية ناقصة إلى جولة جديدة من الحرب.
اقرأ أيضاً: من قائد في قسد إلى معاون وزير الدفاع.. سيبان حمو ومسار الدمج في الدولة السورية